محمد كرد علي

16

خطط الشام

وأبو حرب نقلا الخط العربي إلى الحجاز ، والشام مدينة لأمية في أمور كثيرة لاشتراكها في خدمة الحضارة اشتراكا عمليا . قال زيد بن ثابت : أرسلت إلى أبي بكر فأتيته فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال لي إن القتل قد استحرّ بالقراء يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل في القراء في المواطن كلها فيذهب كثير من القرآن ، فأرى أن يجمع القرآن بحال فقلت لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه ؟ فقال عمر : هو واللّه خير فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح اللّه له صدري ورأيت ذلك الذي رآه عمر . قال زيد بن ثابت : قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك . قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه فتتبّع القرآن واجمعه ، قال زيد : فو اللّه لنقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من الذي أمرني به من جمع القرآن ، أجمع من الرقاع واللخاف « 1 » والعسب « 2 » وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره . فكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حتى توفاه اللّه ، ثم عند حفصة ابنة عمر - رواه صاحب الفهرست . وأمر عثمان بن عفان رضي اللّه عنه سنة ثلاثين بنسخ المصحف الذي كتب في زمن سلفه أبي بكر وتفريقه في الأمصار ، وكان بلغ عثمان ما وقع في أمر القرآن من أهل العراق فإنهم قالوا : قرآننا أصح من قرآن أهل الشام ، لأنا قرأنا على أبي موسى الأشعري ، وأهل الشام يقولون : قرآننا أصح لأنا قرأنا على المقداد بن الأسود ، وكذلك غيرهم من الأمصار ، فأجمع رأيه ورأي الصحابة على أن يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه ، وكان مودعا عند حفصة زوج النبي ، ويحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس ، ففعل ذلك ونسخ من ذلك المصحف مصاحف وحمل كلا منها إلى مصر من الأمصار . وكان الذي تولى نسخ المصاحف العثمانية بأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد

--> ( 1 ) اللخاف ككتاب حجارة بيض رقاق . ( 2 ) العسب بضمتين جمع العسيب وهي جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها .